تقرير- ندوة بعنوان: مكافحة الفساد: مقترحات للحكومة القادمة

تقرير- ندوة بعنوان: مكافحة الفساد: مقترحات للحكومة القادمة
sam 09/11/2019 - 10:14
تقرير- ندوة بعنوان: مكافحة الفساد: مقترحات للحكومة القادمة

في إطار مواكبته للسياق الوطني وتواصلا مع المستجدات الراهنة نظم مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بالتعاون مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ندوة فكرية بتونس العاصمة بتاريخ 26 أكتوبر 2019 تحت عنوان "مكافحة الفساد: مقترحات للحكومة القادمة ". وقد تضمنت هذه الندوة حصة صباحية توزعت إلى مجموعة من المحاضرات لباحثين وخبراء في المجال تم خلالها تقديم جملة من المقترحات للحكومة القادمة لمكافحة الفساد.

47112

انطلقت الندوة بكلمة ترحيبية لرئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية السيد رضوان المصمودي الذي أشار إلى أن اختيار توقيت الندوة يأتي ضمن السياق الوطني الذي نجح في تجاوز الاستحقاق الانتخابي من جهة والذي يستعد لاستقبال حكومة جديدة من جهة أخرى، وبين أن الهدف من المداخلات هو تقديم مقترحات عملية للحكومة القادمة لمكافحة الفساد باعتبارها مسألة وطنية مجمع عليها من قبل كل الأطراف بما في ذلك الأحزاب والمجتمع المدني بالإضافة إلى كونها تعتبر من أولويات المترشحين للبرلمان وأيضا رئيس الدولة السيد قيس سعيد. وأكد السيد رضوان المصمودي على ضرورة تحويل الشعارات المرفوعة في هذا السياق إلى فعل ومخططات يمكن تفعيلها بسرعة ونجاعة لمكافحة الفساد، وبين أن الدولة التونسية نجحت في القضاء على الاستبداد عبر ترسيخ مؤسسات وطنية ونجحت كذلك في التغلب على خطر الارهاب ووضعه تحت السيطرة، ويبقى خطر الفساد اليوم الذي ينخر كل مؤسسات البلاد هو التحدي المطروح ومن الواجب تظافر كل الجهود من أجل محاربته لأنه يشكل تهديدا للاقتصاد الوطني وخاصة لمجال الاستثمار، والفساد حسب المحللين يكلف الاقتصاد التونسي 4 بالمائة على الاقل من نسبة النمو سنويا. لذلك اقترح المركز هذه الندوة من أجل الاستعانة بآراء الخبراء والاستئناس بخلاصة عمل هيأة مكافحة الفساد الذي تواصل لسنوات من أجل تقديم الاستراتيجيات والمقترحات الممكنة وتقديمها للحكومة. وبين السيد رضوان من جهة أخرى ضرورة تغيير ثقافة الشعب حتى ينخرط في منظومة مكافحة الفساد عبر التشهير والتنديد به، وايضا أشار إلى دور الأئمة لأن تعاليم وقيم الإسلام من شأنها المساهمة في هذا الإطار، وكذلك دور الشباب. وبين أن هذا العمل يندرج ضمن أهداف المركز خلال الأيام القادمة عبر التكوين المستمر لكل من هذه الأطراف.

8965

المداخلة الأولى كانت للسيد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وقد استهل كلامه بتقديم سرد لأهم الوقفات والمساعي في مجال مكافحة الفساد التي انطلقت منذ الثورة ثم دشّنت بتأسيس الهيئة ودسترتها سنة 2014، وانطلق إثر ذلك في تقديم مجموعة من المقترحات للحكومة القادمة، والتي أكد على كونها تدخل في صلاحياتها ويمكن إقرارها في فترة وجيزة في ظرف أقصاه ستة أشهر وبالإمكان متابعتها ومحاسبتها عليها. وأكد أن الأهم من محاسبة الأشخاص المتورطين في الفساد هو محاسبة منظومة الفساد نفسها. وأوضح ضرورة أن تخصص الحكومة ميزانية لتفعيل استراتيجية مكافحة الفساد وأن تسعى لجمع كل الاطراف المتدخلة في هذا المجال وتدعوهم للحوار المشترك من أجل الخروج بخطوات عملية يتفق حولها الجميع. الإجراء الثاني الذي دعا إليه السيد شوقي الطبيب هو الشروع في حملة تحسيسية توعوية عبر مختلف وسائل الاعلام ضد الارهاب بأنواعه، والاذن بإجراء تدقيق ومسح شامل لتقارير هيئات الرقابة والتفقد والتدقيق ودائرة المحاسبات للثلاث سنوات الأخيرة على الأقل. بالإضافة إلى ضرورة تعميم تطبيق المنظومة الاعلامية للصفقات والشراءات العمومية ومراجعة التسميات والتعيينات في الوظيفة العمومية التي تعلقت بها شبهات فساد أو محسوبية. ومن أبرز المُقترحات التي قدمها رئيس الهيئة كذلك إصدار الأوامر التطبيقية لبعض القوانين الهامة والتي من بينها قانون التصريح بالمكاسب حيث أنه إلى اليوم لم يصدر رئيس الحكومة الأمر التطبيقي المتعلق بنشر مضمون التصريح بالمكاسب بالنسبة للفئات من واحد إلى ثمانية. كما بين أنه على رئيس الحكومة تفعيل القانون المتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، وجهازه الفني للقيام بالاختبارات المعطل رغم صدور القانون الأساسي للقطب.

وأضاف رئيس الهيئة أنه على الحكومة القادمة إيجاد حلول لمسألة تقلص عدد قضاة التحقيق في الفساد من تسعة قضاة سنة 2012 إلى حدود سبعة قضاة تحقيق، ودعا الحكومة القادمة إلى ضرورة دعم المجتمع المدني والإعلام المختص في مجال الصحافة الاستقصائية في مجال الفساد، في الحصول على تمويل عام من الدولة وعدم تركه يحظى بدعم خارجي فقط.

78996

أما المداخلة الثانية فكانت للسيد فوزي العريبي مستشار قانوني بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الذي بين أن الهيئة تتكفل بمهام وقائية من عمل على تكريس ثقافة الحوكمة واقتراح لسياسات مكافحة الفساد وتشريك للمجتمع المدني، بالإضافة إلى المهام العلاجية من قبيل التقصي في الشكاوي واحالتها على الجهات المختصة. وأوضح السيد فوزي أن دور الهيئة يتمحور حول اصدار المبادئ التوجيهية لمختلف هيئات الرقابة وابداء الرأي في النصوص المتعلقة بمكافحة الفساد ونشر الوعي في مسألة مكافحة الفساد وفي نفس هذا الإطار انجاز البحوث والدراسات وتقديم المقترحات. وقد بين السيد فوزي أن الفروع الجهوية للهيئة تعمل في اطار اتفاقات شراكات مع اوروبا وافريقيا والشرق الأوسط وكذلك على المستوى المحلي بعقد اتفاقيات مع البلديات. في المقابل بين السيد العريبي أن هناك نقائص لابد من تداركها من بينها ضرورة تفعيل الاتفاقيات التي تم عقدها مع الوزارات، وقدم جملة من المقترحات للحكومة القادمة من بينها: الدعوة إلى ضرورة حوكمة اجراءات الرقابة والتفقد وفرض اصدار تقارير دورية للهيئات ونشرها للعموم، والإسراع في مراجعة القانون المنظم للجمعيات والأحزاب وارساء موقع واب مفتوح للعموم يتضمن اجراءات الصفقات العمومية، بالإضافة إلى التأكيد على ضرورة حوكمة مجال الصناعات الاستخراجية والاسراع بمراجعة مجلة المحروقات والمناجم، إلى جانب أهمية وضع أدلة اجراءات موحدة للديواني، ومواصلة الجهود لرقمنة العمل الديواني.

وفي نهاية كلامه أكد السيد فوزي على ضرورة حوكمة القطاع الصحي وتحيين كراس الشروط المتعلق بالمجال الصحي و خاصة على ضرورة حوكمة استعمال المال العام عبر الدعوة إلى مراقبة وتتبع حسن استغلال الامتيازات العمومية.

45412

وكانت المداخلة الثالثة للسيد سامي براهم الباحث بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس حيث بين أن هذه المداخلة تمثل جملة من المقترحات التي تم اعدادها في اطار مشروع نشط فيه المركز مع الهيئة وبدعم معنوي من وزارة الشؤون الدينية والذي يندرج ضمن ايمانهم بأن الفضاء الديني من شأنه أن يساهم في مكافحة الفساد. المقترح الأول الذي قدمه السيد سامي هو حوكمة الشأن الديني، أما المقترح الثاني فيتعلق بالجانب المالي حيث اعتبر أن أفضل السبل للحد من ضخ المال المشبوه هو ارساء نظام جديد للأوقاف تشرف عليه الدولة بكل شفافية ونزاهة، بالإضافة إلى ضرورة رقمنة الشأن الديني من أجل ضمان التوثيق والمتابعة. من جهة أخرى أكد السيد سامي على أن اشراك الشأن الديني والعاملين فيه في مكافحة الفساد من شأنه أن يصنع ثقافة جديدة تقطع مع الفساد والافساد، حيث أنه بالإمكان استثمار منابر الخطابة في دعوة الناس للصلاح وذلك لدورهم الرمزي عند الناس ولتواتر تواصلهم معهم. واقترح احداث شهادة اختيارية بجامعة الزيتونة تهتم بمكافحة الفساد واحداث ماجستير بحث متخصصة في مكافحة الفساد، إلى جانب ضرورة احداث برنامج تكوين مستمر للأئمة. كما أكد في الختام على ضرورة وضع وثيقة مرجعية للإمام تحث على مكافحة الفساد باعتباره قضية وطنية واجتماعية وقضية دينية كذلك.

25698

المداخلة الأخيرة كانت للسيد السيد محمد النوري وهو خبير في الاقتصاد والتمويل الإسلامي الذي انطلق بالتساؤل حول مكمن الخلل وسبب عدم قدرتنا على تجاوز الفساد، واعتبر أن الفساد يطول عمره عندما يتخلى الشرفاء عن دورهم في فضح ممارسات الفساد والتصدي له. ثم أكد السيد النوري على ضرورة وجود ارادة سياسية واجتماعية حقيقية للتصدي الفساد ووجود مقاربة شاملة وعميقة لتفكيك هذه الظاهرة ووضع الاستراتيجيات الكفيلة بدحرها. وقدم بدوره مقاربة اقتصادية استأنس فيها بتجارب الدول التي نجحت في القضاء على الفساد مثل سنغافورة وماليزيا وجورجيا وبلغاريا وكينيا وغيرهم، واعتبر أن الخطوة الأولى للنجاح في التصدي للفساد تكمن ابتداء في اعتبار الفساد هو أصل المشكلة الاقتصادية وعدد في هذا السياق مختلف أنواع الفساد التي وجب القطع معها. وبين أن الفساد له كلفة مباشرة هي التي يمكن من خلالها تحديد الانعكاس السلبي للفساد على التنمية الاقتصادية والتي يشير المحللون لكونها تمثل في تونس 4 بالمائة من نسبة النمو. أما الكلفة غير المباشرة فتتمثل في كون الفساد يعيق النمو الاقتصادي ويقلص حوافز الاستثمار الداخلي والخارجي. في النهاية أكد السيد محمد على أهمية المقاربة القيمية في مقاومة الفساد التي تقوم على ضرورة تفعيل القيم الاسلامية السمحة والأخلاق الاسلامية من بين ذلك تفعيل دور الاصلاح التربوي ودور الأسرة، إلى جانب تطوير الرقابة التنفيذية والحث على مراقبة الأسواق والمال العام، بالإضافة إلى مقاومة الفقر، تدوير الموظفين، ترشيد الانفاق الحكومي، تنويع مصادر التمويل ومقاومة الاحتكار.

5865

وفي تفاعل مع هذه المداخلات قدم المشاركون بعض التساؤلات والاستفسارات حول موضوع الندوة ومحتوى المداخلات وأكد البعض على ضرورة تحريك الدبلوماسية التونسية لتتبع أموال التونسيين المهربة والمنهوبة بالخارج، كما عبر آخرون عن استيائهم من أداء الاعلام الوطني وتقصيره في التعاطي مع مسألة مكافحة الفساد. كما عدد المتدخلون مخاطر استشراء الفساد خاصة في مجال الوظيفة العمومية وبينوا أنه على الدولة تحمل مسؤوليتها في القيام بواجبها في التصدي للفساد وللتهرب الضريبي عبر وضع آليات ثورية وعملية تحصر ظاهرة الفساد وتحد من مظاهر الفقر والاستغلال.

فيديو الندوة كاملة